فضل المدينة في القرآن


الخميس 12-8-1437 هـ

فضائل المدينة المنورة كثيرة جدا لا تكاد تحصى، أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين فضلها في كثير من الأحاديث النبوية الشريفة، وألف فيها العلماء الكتب، ومنهم من أفرد لها بابا في مؤلفه .

وليس مقصدي في هذه المقالة بيان ما ورد في فضلها من أحاديث، فهي كثيرة جدا أشبعها العلماء والكتاب تناولا وإيضاحا، جمعا وبيانا.

ولكن سوف أتحدث بمشيئة الله عن فضل المدينة من خلال القرآن الكريم، وذلك بجمع الآيات القرآنية التي تحدثت عن هذا الموضوع، إما تلميحا أو تصريحا، بحكم تخصصي في علم التفسير والحمدلله، وهذا ما يسمى عند أهل الاختصاص ( بالتفسير الموضوعي )، وسوف أذكر نبذة يسيرة توضح هذا المصطلح، ثم ندلف إلى المراد،مع ملاحظة أن لفظ المدينة ورد في القرآن مرارا،وما كان يقصد منه مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم ورد أيضا مرارا، وليس مقصدي تتبع هذه اللفظة في القرآن أينما جاءت، وإنما هذه لها مبحث مستقل، ولكن كما أشرت المقصد الآيات التي تحدثت عن المدينة المنورة وخرجت مخرج المدح والثناء . أسأل الله تعالى التوفيق والسداد، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

أولا : التفسير الموضوعي : هو: علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر..

فعلى الباحث والمفسر أن يختار الموضوع الذي يريد أن يتحدث عنه من خلال القرآن الكريم، ثم يستخرج الآيات التي تناولت الموضوع ، وبعد جمعها والإحاطة بها تفسيراً وتـأمــلاً يحاول الباحث استنباط عناصر الموضوع من خلال ما بين يديه من آيات، ويكون منطلق العرض والاستدلال والــدراسة هو آيات القرآن الكريم لا غير، وإن ذكر شيء من غير القرآن في الموضوع فيذكر من باب الاعتضاد لا الاعتماد.

وهذا اللون من التفسير الـمـوضوعي هو المشهور في عرف أهل الاختصاص ، وحتى إن اسم ( التفسير الموضوعي ) إذا أطلق لا يكاد ينصرف إلا إليه .

مع العلم أن التفسير ينقسم إلى أنواع، من أحدها التفسير الموضوعي، والتفسير الموضوعي ينقسم إلى أنواع، وما ذكرناه أحدها وهو أهمها.

هذا باختصار ومن أراد الاستزادة من هذا الموضوع فليرجع إلى كتاب : التفسير الموضوعي لمصطفى مسلم .

والآن حان الشروع في المراد وقد جمعت فيه ثلاث آيات :

1 - قال تعالى : ﴿وَالَّذينَ هاجَروا فِي اللَّهِ مِن بَعدِ ما ظُلِموا لَنُبَوِّئَنَّهُم فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَلَأَجرُ الآخِرَةِ أَكبَرُ لَو كانوا يَعلَمونَ﴾ [النحل: ٤١]

لَنُبَوِّئَنَّهُم فِي الدُّنْيَا حَسَنَة " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ وَقَتَادَة : الْمَدِينَة .

فالمدينة المنورة هي دار الحسن، ومنزل السرور، ومحل البركة، فقد حسنت ظاهرا وباطنا، حسا ومعنى .

واختار هذا القول ابن جرير .

وَقِيلَ الرِّزْق الطَّيِّب قَالَهُ مُجَاهِد . وَلَا مُنَافَاة بَيْن الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا مَسَاكِنهمْ وَأَمْوَالهمْ فَعَوَّضَهُمْ اللَّه خَيْرًا مِنْهَا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّه بِمَا هُوَ خَيْر لَهُ مِنْهُ وَكَذَلِكَ وَقَع . قاله ابن كثير .

قال قتادة في قوله : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا . قال : هؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين .

قال ابن جرير : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ( لنبوئنهم ) : لنحلنهم ولنسكننهم ، لأن التبوء في كلام العرب الحلول بالمكان والنزول به .

قال الراغب : " الحسنة يعبر بها عن كل ما يَسُرُّ من نعمة تنال الإنسان في نفسه و بدنه و أحواله " فلا يقتصر المعنى على الثواب فقط .

قلت : وهذا مشاهد في المدينة، فمن سكنها أو زارها، يجد من الحسن والأنس والسرور والانشراح والبركة والراحة ما لا يجده في غيرها من البلدان .

2 - قال تعالى : وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا (80) سورة الإسراء.

هذا دعاء يعلمه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ليدعوه به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وفيم تتجه إليه .

قال بعضهم: عَنَى بمُدْخل الصِّدق: مُدْخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، حين هاجر إليها، ومُخْرَج الصدق: مُخْرجه من مكة، حين خرج منها مهاجرا إلى المدينة.

وهو قول : ابن عباس وقتادة والحسن وابن زيد .

وعن قتادة : ( مُدْخَلَ صِدْقٍ ) قال: المدينة ،( مُخْرَجَ صِدْقٍ ) قال: مكة

قال ابن جرير بعد أن ساق عدة أقوال في الآية : وأشبه هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: معنى ذلك: وأدخلني المدينة مُدْخل صدق، وأخرجني من مكة مُخْرج صدق .

والصدق ها هنا عبارة عن الصلاح وحسن العاقبة . قاله الماوردي

ولذا لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة دخلها دخول صدق وعز ونصر وتمكين، فصلح شأنه وحسنت عاقبته؛ فمن المدينة انطلقت السرايا والغزوات لنشر الدين ومحاربة المشركين، فكان دخوله صلى الله عليه وسلم للمدينة دخول صدق حسن لم ير فيه ما يكره، بل استقبل استقبالا عظيما حافلا، وأضاءت المدينة وأضاء منها كل شيء . والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو حاتم الجود: أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً، ولا يرى فيه ما يكره. قال الواحدي: وإضافتهما إلى الصدق مدح لهما، وكل شيء أضفته إلى الصدق فهو مدح. انظر : فتح القدير للشوكاني .

ومن صدقه صلى الله عليه وسلم في هجرته للمدينة، أنه لما فتح مكة، خشيت الأنصار أن يتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعود إلى مكة، فقالت الأنصار بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته

معنى هذه الجملة : أنهم رأوا رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مكة وكف القتل عنهم ، فظنوا أنه يرجع إلى سكنى مكة والمقام فيها دائما ، ويرحل عنهم ويهجر المدينة ، فشق ذلك عليهم ، فأوحى الله تعالى إليه بما قالت الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الأنصار ، قالوا : لبيك يارسول الله ، قال : قلتم : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته ، قالوا : قد كان ذلك ، قال : كلا ، إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم ، المحيا محياكم ، والممات مماتكم _ أي : لا أحيا إلا عندكم ولا أموت إلا عندكم _

فأقبلوا إليه يبكون ويقولون : والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم . رواه مسلم

فكانت المدينة دار صدق، هاجر إليها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قال تعالى : (وَالَّذي جاءَ بِالصِّدقِ)[الزمر: ٣٣] أي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهاجر إليها المهاجرون الصادقون الذين قال الله فيهم (لِلفُقَراءِ المُهاجِرينَ الَّذينَ أُخرِجوا مِن دِيارِهِم وَأَموالِهِم يَبتَغونَ فَضلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضوانًا وَيَنصُرونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقونَ) (الحشر: ٨)

وسكنها من قبلهم واستوطنها الأنصار الصادقون الذين نزل في بعضهم ﴿مِنَ المُؤمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبديلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]

فاجتمع الصدق كله بالمدينة؛ فالدار دار صدق، والرسول رسول صدق صلى الله عليه وسلم ، وصحابته رجال صدق، وهكذا ينبغي لمن سكنها أو زارها أن يصدق في دخوله لهذه البلدة المباركة، وأن يكون الصدق شعاره ودثاره، صادقا مع الله، وصادقا مع نفسه، وصادقا مع خلقه، وصادقا في معاملته وأمره كله؛ ليصلح شأنه وتحسن عاقبته .

ومن سكنها فليستعد للابتلاء والتمحيص ليظهر فيها الصادق من الكاذب.

ولعل هذا هو السر في قوله صلى الله عليه وسلم : (المدينة كالكير، تنفي خبثها وينصع طيبها) متفق عليه والله أعلم .

3 - قال تعالى : (وَالَّذينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ وَالإيمانَ مِن قَبلِهِم يُحِبّونَ مَن هاجَرَ إِلَيهِم وَلا يَجِدونَ في صُدورِهِم حاجَةً مِمّا أوتوا وَيُؤثِرونَ عَلى أَنفُسِهِم وَلَو كانَ بِهِم خَصاصَةٌ وَمَن يوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ) [الحشر: ٩]

"وَالَّذينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ وَالإيمان" الآية معطوفة على المهاجرين، وَالَّذينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمان هم الأنصار الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل أعالي الفردوس مسكنهم ومثواهم والتبوّؤ النزول في المكان . والدار المقصود بها المدينة وهي دار الهجرة ومأرز الإيمان، والتعريف في الدار للتنويه كأنها الدار التي تستحق أن تسمى داراً وهي التي أعدها الله تعالى لهم ليكون تبوّؤهم إياها مدحاً لهم . وذكر بعضهم أن الدار علم بالغلبة على المدينة كالمدينة ، وأنه أحد أسماء لها منها طيبة . وطابة . ويثرب . وجابرة إلى غير ذلك .قاله الألوسي في تفسيره روح المعاني.

وقوله : والإيمان أي : وأخلصوا الإيمان وهو قول جمهور المفسرين .

وقيل : أي جعلوا الإيمان مستقرا وموطنا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، فشبه الإيمان بالمنزل الذي يأوون إليه .

وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان، فأصبح الإيمان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه ويطمئنون له، كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار .

قال الشوكاني في فتح القدير : و التبوء في الأصل إنما يكون للمكان، ولكنه جعل الإيمان مثله لتمكنهم فيه تنزيلاً للحال منزلة المحل .

وقيل : أنه سمى المدينة بالإيمان ؛ لأن فيها ظهر الإيمان وقوي .

ويؤيد هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم : (إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة كما تأرِز الحَيَّة إلى جُحرها) متفق عليه .

قال الحافظ في الفتح: أي أنها كما تنتشر من جحرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي - صلى الله عليه وسلم- فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره والصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم والتبرك بمشاهدة آثاره صلى الله عليه وسلم وآثار أصحابه ô. انظر :فتح الباري 4/112.

فإن قيل إن الأنصار لم يتبوءوا الإيمان قبل المهاجرين فالجواب : أنه على تقدير حذف المضاف ،

والتقدير : تبوءوا الدار والإيمان من قبل هجرتهم قاله الرازي . أي : آمنوا من قبل هجرة المهاجرين .

قال في التحرير والتنوير : وهو يفيد الثناء عليهم بأن دار الهجرة دارهم آووا إليها المهاجرين لأنها دار مؤمنين لا يماثلها يومئذ غيرها .

وفي ذكر الدار وهي المدينة مع ذكر الإيمان إيماء إلى فضيلة المدينة بحيث جعل تبوءهم المدينة قرين الثناء عليهم بالإيمان ولعل هذا هو الذي عناه مالك رحمه الله فيما رواه عنه ابن وهب قال : سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق . فقال : إن المدينة تبوأت بالإيمان والهجرة وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف ثم قرأ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم الآية .

وبعد أيها الأحبة :

هذا ما وفق الله عليه وأعان، فله الحمد والشكر والثناء الحسن، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، وصلى الله وسلم على نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

كتبه الباحث في تاريخ ومعالم المدينة المنورة الأستاذ: عبدالعزيز بن عبدالرحمن الرفاعي