أطم صرار


الخميس 13-12-1437 هـ

أطم صرار في المدينة المنورة



صرار: والصِّرار: ككتاب: ما يشد به الشيء، وفي الحديث (لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَحِلَّ صِرَارَ نَاقَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا، فَإِنَّهُ خَاتَمُهُمْ)

ومن هذا قول عنترة: العبدُ لا يُحْسِنُ الكَرَّ ... إنما يُحْسِنُ الحَلْبَ والصَرّ بالصاد المهملة

والصر يعني الصرار وهو ربط ضروع الحلوبات أي النياق إذا أرسلوها إلى المراعي سارحة وقال ياقوت: صرار، بكسر أوله وآخره مثل ثانيه وهي الأماكن المرتفعة التي لا يعلوها الماء  وقال الإمام السمهودي: صرار بالكسر ككتاب  اسم أطم كان بالجوانية شامي المدينة بالحرة الشرقية به سميت تلك الناحية صرارا ، ولذا قال الإمام البخاري في نحر البقر بصرار عند قدوم المدينة: صرار موضع ناحية المدينة.

وهو موضع على ثلاثة أميال من المدينة من طريق العراق وهو أول منازل السفر إلى العراق وآخر منازل القادم منه .

وبه أطم كان لبعض اليهود، وربما سمي باسم صاحبه الأول، ثم صار لبني حارثة، وهم فرع من فروع قبيلة الأوس الأنصارية.

يقع شرقي المدينة المنورة في حرة واقم قرب وادي قناة ويبعد عن المسجد النبوي حوالي ستة أكيال، وكان في طريق المسافرين إلى نجد والقادمين منها يمر بالقرب منه، وقد حفرت بجانبه بئر يستقي منها الناس. وما زالت آثار هذا الأطم موجودة حتى الآن قرب الخط الدائري الثاني للمدينة المنورة،

 ويرتبط اسم هذا الأطم ببعض الأحداث التاريخية، منها:

ـــ قصة  بيع جمل جابر بن عبدالله رضي الله عنه  قال محمد بن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل، على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضي وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك يا جابر ؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا.قال: أنخه، قال فأنخته، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع عصا من شجرة، ففعلت.
فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات، ثم قال: اركب، فركبت فخرج، والذي بعثه بالحق يواهق  ناقته مواهقة، قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قال: قلت بل أهبه لك قال: لا ولكن بِعْنِيه، قال: قلت فسُمْنِيه، قال: قد أخذته بدرهم، قال: قلت: لا إذاً تغبنني يا رسول الله، قال: فبدرهمين، قال: قلت لا، قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الأوقية، قال فقلت: أفقد رضيت ؟ قال: نعم، قلت فهو لك، قال: قد أخذته ثم قال: يا جابر هل تزوجت بعد، قال قلت: نعم يا رسول الله ، قال: أثيبا أم بكرا، قال: قلت بل ثيبا، قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك، قال: قلت يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا ، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهن فتقوم عليهن.
قال: أصبت إن شاء الله، أما إنا لو جئنا صرارا  أمرنا بجزور فنحرت، فأقمنا عليها يومنا ذلك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها، قال: فقلت والله يا رسول الله ما لنا نمارق، قال: إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا، قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت، وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا.
قال: فحدثت المرأة الحديث، وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك فسمع وطاعة، فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال: ما هذا، قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال:فأين جابر ؟ فدعيت له، قال: فقال: يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك، قال: ودعا بلالا فقال: اذهب بجابر، فأعطه أوقية، قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا، قال: فوالله ما زال ينمي عندي، ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا.يعني يوم الحرة .

ــ قال ابن سعد في غزوة قَرْقَرَةِ الكُدْرِ : واقتسموا غنائمهم – أي الصحابة رضي الله عنهم  - بصرار على ثلاثة أميال مـن المدينة وقال: صرار ماء قرب المدينة محتفر جاهلي له ذكر كثير على سمت العراق،
ـــ قصة عمر وأم الأيتام قال أسلم وخرج عمر رضي الله عنه   إلى حرة واقم وأنا معه حتى إذا كنا بصرار إذا نار تسعر فقال يا أسلم إني أرى هؤلاء ركبا قصر بهم الليل والبرد انطلق بنا إليهم  فهرولنا حتى دنونا منهم فإذا امرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على نار و صبيانها  يتضاغون فقال عمر السلام عليكم يا أصحاب الضوء وكره أن يقول يا أصحاب النار ، قالت وعليك السلام قال أدنو قالت أدن بخير أو دع فدنا فقال ما بالكم قالت قصر بنا الليل والبرد قال فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون قالت من الجوع قال وأي شيء في هذه القدر قالت مالي ما أسكتهم حتى يناموا فأنا أعللهم وأوهمهم أني أصلح لهم شيئا حتى يناموا الله بيننا وبين عمر قال أي رحمك الله ما يدري بكم عمر قالت يتولى أمرنا ويغفل عنا فأقبل علي وقال انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا فيه كبة شحم فقال احمله على ظهري قال أسلم فقلت أنا أحمله عنك مرتين أو ثلاثا فقال آخر ذلك أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك ، فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه نهرول حتى انتهينا إليها فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول لها ذري علي وأنا أحر لك ( يعني يصنع حريرة)  وجعل ينفخ تحت القدر وكان ذا لحية عظيمة فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج ثم أنزل القدر فأتته بصحفة فأفرغها فيها ثم قال أطعميهم وأنا أسطح لك فلم يزل حتى شبعوا ثم خلى عندها فضل ذلك وقام وقمت معه فجعلت تقول جزاك الله خيرا أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين فيقول قولي خيرا فإنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتيني هناك إن شاء الله  ثم تنحى ناحية ثم استقبلها وربض مربض السبع فجعلت أقول له إن لك شأنا غير هذا لا يكلمني حتى رأى الصبية يضحكون ويصطرعون ثم ناموا وهدأوا فقام وهو يحمد الله ثم أقبل علي فقال يا أسلم الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم
ــ  ركب عمر رضي الله عنه في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه   واستصحب معه عثمان بن عفان رضي الله عنه   وسائر الصحابة رضي الله عنهم   ثم عقد مجلساً واستشار أصحابه فيما عزم عليه ونودي أن الصلاة جامعة وقد أرسل إلى علي رضي الله عنه   فقدم من المدينة ثم استشارهم فكل وافقه على الذهاب إلى العراق إلا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه  فقال له إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر الأرض, وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة فأتى عمر رضي الله عنه الناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف رضي الله عنه  فقال عمر رضي الله عنه    : من ترى أن نبعث إلى العراق؟ قال: قد وجدته قال: ومن هو قال الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد رضي الله عنه   فأمره على العراق وأوصاه فقال: يا سعد لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبه, فإن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيئ بالحسن وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته, فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء, الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة, فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه فإنه الأمر، هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين.

ـــ عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : بَعَثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الْكُوفَةِ وَشَيَّعَنَا ، فَمَشَى مَعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ : صِرَارٌ ، فَقَالَ : أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ ؟ قَالَ : قُلْنَا : لِحَقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ ، وَلِحَقِّ الأَنْصَارِ ، قَالَ : لَكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لِحَدِيثٍ أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ ، فأردْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لِمَمْشَايَ مَعَكُمْ ، إِنَّكُمْ تَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ لِلْقُرْآنِ فِي صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ كَهَزِيزِ الْمِرْجَلِ ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ ، وَقَالُوا : أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ ، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ ، ثُمَّ أَنَا شَرِيكُكُمْ.

 ــ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : لَوْ سَيَّرَنِي عُثْمَان إِلَى صِرَارٍ لَسَمِعْت لَهُ وَأَطَعْت.

ـــ وفي الطبقات الكبرى لابن سعد : أن أبا هريرة كان يقول يرحم الله ابن حنتمة يعني عمر لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكة زيت في يده وإنه ليعتقب هو وأسلم فلما رآني قال: من أين يا أبا هريرة، قلت: قريباً قال فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار فإذا صرم نحو من عشرين بيتاً من محارب فقال عمر: ما أقدمكم قالوا الجهد، قال: فأخرجوا لنا جلد الميتة مشوياً كانوا يأكلونه ورمة العظام مسحوقة كانوا يسفونها فرأيت عمر طرح رداءه ثم اتزر فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا وأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة ثم كساهم وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك. انتهى.

ومما ورد في صرار من الشعر

قول حسان بن ثابت رضي الله عنه يذكر إخراج الأوس والخزرج اليهود من يثرب:
فَسِرْنَا إلَيْهِمْ بِأَثْقَالِنَا ... عَلَى كُلّ فَحْلٍ هِجَانٍ قَطِمْ

جَنَبْنَا بِهِنّ جِيَادَ الْخُيُو ... لِ قَدْ جَلّلُوهَا جِلَالَ الْأَدَمْ

فَلَمّا أَنَاخُوا بِجَنْبَيْ صِرَارٍ ... وَشَدّوا السّرُوجَ بِلَيّ الحُزُمْ

فَمَا رَاعَهُمْ غَيْرُ مَعْجِ الْخُيُو ... لِ وَالزّحْفُ مِنْ خَلْفِهِمْ قَدْ دَهِمْ

فَطَارُوا سِرَاعًا وَقَدْ أُفْزِعُوا ... وَجِئْنَا إلَيْهِمْ كَأُسْدِ الأُجُمْ

وقول الشاعر :

لعل صراراً أن تجيش بئاره ... ويسمع بالريان تبنى مشاربه
والريان بئر كان لأصحاب صرار . وهي لبني حارثة بن الحارث، وقيل: هو بئر على نحو ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة واقم.