مقالات منوعة

المدينة زمان وأنا


فضية الاحمدي
1%

(اجمالى الاصوات 1 )

 

 حين يكتمل البدر عند منتصف الشهر الهجري في لياليه البيض ، يصبح الليل ساحرا !! وأنا أزعم أن ليل (المدينة) أكثر سحرا ، وأشفُّ بهاءا من ليالي الدنيا كلها ، فضلا عن سحره في ليالي الشهر كلها !!
وحين يكون منتصف شهر المدينة في (رمضان) فإن البهاء يتشح نورا ، وإنَّ السحر ليحول حضرة شفيفة !!
كلما ذهبت للحرم في منتصف رمضان خاصة انهالت بي الذكريات الجميلة للحرم والأسواق آنذاك .
ولا تحسبُنَّ -يا قوم- أنِّني عجوز استعنتُ بعصايَ -إنما هم الأدباء -ولا سيما الشعراء منهم- يملكون أعيناً ميكروسكوبية ، وأحاسيس حادة بالواقع من حولهم ..
أنا لا أزعم أني مؤرخة توثق للمدينة تأريخا ، فتاريخ المدينة مزهرٌ في مظانه .. ولكنني أكتب ما تنهال عليَّ به الذكريات ؛ عن عام مشاع جميل / المدينة ، وخاص خاصٍ جدا / أنا ...
في ليالي رمضان حين كنت طفلة في منزلنا في "باب العنبرية" لا أذكر صلاة التراويح كثيرا باعتبار أني طفلة لم أصلها بعد ... ولكنني أذكر جيدا تلك الحركة الدؤوب حول الحرم الشريف ... وتلك الأضواء المدهشة التي تحفه !!.
كانت الشوارع مضاءة والمباني لا تتجاوز الطوابق الأربعة بحال ، وهي في أكثرها مبان حجرية من بقايا الحكم العثماني ، وبعضها مبان إسمنتية فيما يسمونه "البناء المسلح" ...
أذكر من ليالي رمضان تلك الأنوار المبهرة حول الحرم الشريف ، وأذكر شارع "الرومية" /سوق المدينة الأساس لمختلف البضائع من أقمشة وعطور وملابس جاهزة ... الخ ...
حين تأتي من "العنبرية" عليك بعدما تصل "مسجد الغمامة" أن تنحرف إلى اليسار قليلا لتعبر "باب المصري" وتجعل "سوق المناخة" خلفك إلى اليسار ... ثم تنزل من "باب المصري" بضع درجات لترى أمامك باب السلام للحرم الشريف ، ومن قبله "المظلات" التي وضعت لتوسعة الحرم ، تكون على يسارك إذا سرت أمام الحرم من جهة قبلته / الجنوب ...
كان الحرم الشريف قبل توسعة الملك فهد رحمه الله صغيرا يرى الذي في أوله من هو في آخره ...
كنا نسير -وقد أتينا من العنبرية- أمام الحرم .. حتى إذا أنهينا حائط قبلته/الجنوبي والروضة الشريفة ، جئنا إلى الجهة الشرقية للحرم ناحية "بقيع الغرقد" ..
وأول الأبواب الشرقية " باب الجنائز" ويليه باب علي رضي الله عنه وهو حاليا ثلاثة أبواب ... فيكون الحرم إلى يسارك وشارع رخامي لا يتجاوز الأمتار العشر يفصل بين الحرم ومحلات "الذهب" محل الصايغ للمجرهرات والغسال وغيرهما ... كانت هذه المحال مبهرة لهذه الطفلة التي تتتبَّع الجمال ، وكم مرة جذبني مِن يدي مَن يمسكني من الكبار وقد تسمرتُ عند هذه المحلات ...
إذا أنهيت محلات الذهب والحائط الشرقي للحرم الشريف تنعطف إلى اليمين باتجاه الشرق في زقاق ضيق مكتظ بالمحلات التجارية هو "شارع الرومية" .. وفيما يقال إنه نسبة لامرأة من الروم / الترك الذين كانوا يسمون روما ..
ولأنني أعشق التسوق من صغري فقد كان هذا الشارع من أحب الأماكن إلي ، ولا أملُّه ... ولذا كنت أول المبادرين من أخوتي لاصطحاب كل من يأتي من أقاربنا من جدة وينبع لزيارة المدينة !!
كان "شارع الرومية" ترابيا متعرجا ، لا يتجاوز أربعمائة متر تقريبا ، تتفرع منه جداول طرق صغيرة ، مبانيه بين الطابق والطوابق الثلاثة ، جعلت الطوابق الأولى منها للمحلات التجارية .. وازدانت مبانيه ب "الرواشين" الخشبية الملونة ..
وإذا تجاوزت مدخل "شارع الرومية" متجها للشمال الشرقي تجد "شارع السحيمي" التجاري -نسبة لرجل من قبيلة السحيمي الحروب .. -ولا دخل له طبعا بالشاعر سُحيم عبد بني الحسحاس هههه - ...
ثم إذا صرت إلى الشمال الغربي من الحرم الشريف وجدت "باب المجيدي" ثم "سوق العينية" إلى الغرب وصولا لسوق المناخة ، الذي كان مناخا للقوافل والحجاج .. ولعله سُمي المناخة لقربه من المسجد النبوي حيث أناخت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في أرض لغلامين من الأنصار حين قدم صلى الله عليه وسلم المدينة وقال  "دعوها فإنها مأمورة" فأناخت في موضع مسجده صلى الله عليه وسلم ... وقد أسس النبي عليه السلام في النصف الشمالي من هذا المكان/المناخة مضمارا لسباق الخيل -ولعلها أيضا سميت المناخة لذلك- وفيه "مسجد السبق" ، وفي الجزء الجنوبي أسس عليه الصلاة والسلام سوقا تجارية تخلص المسلمين من سيطرة اليهود على الأسواق ...
ويلي شارع السحيمي من جهة الشمال "باب الشامي" وكان فيه مبنيان متقابلان من أهم مرافق المدينة آنذاك "مستشفى الملك" و "مستشفى الولادة والأطفال" ...
أذكر "مستشفى الأطفال" وكأنه الحلم .. وقد جاء بي إليه ابن عمي الأكبر (أحمد) / أبو هاشم زوج شقيقتي الكبرى / هنية ... كان بيتنا في "العنبرية" وكان بيت شقيق أبي الوحيد عمي (محمد) رحمه الله في "الحرة الغربية" .. وكنت كثيرة المكوث في بيت عمي ، وذات ليلة مرضت عندهم .. وفي الصباح حين وجدني عمي حبيبي رحمه الله مريضة أشار -على عادة الآباء في ذلك الوقت- أشار ل (أحمد) بأخذي للمستشفى ... كان (أبو هاشم) شابا في ريعان شبابه يدرس في المعهد الثانوي أو لعله أنهى الدراسة لسنتين أو ثلاث .. وكان مولعا بكوكب الشرق أم كلثوم رحمها الله ، وأذكر أن سيارته البنية الصغيرة طافحة بأشرطة أغاني أم كلثوم ...
 المهم ، أخذني أحمد لمستشفى الأطفال الوحيد في المدينة آنذاك .. ولا أذكر من تلك اللحظات إلا غرفة الطبيب الصغيرة وقد مددني للفحص على مكتبه الحديدي الرمادي حتى لكأنني الآن أحس برده على جسدي المحموم !!.

 

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا