مقالات منوعة

السّباق أربعة


بقلم / جمال بنت عبدالله السعدي
1%

(اجمالى الاصوات 1 )

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :  قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : "السُبَّاق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة".

بكت عيناي حين أتذكر بلال الحبشي ، وقد كان عبدا حرره الإيمان من قيده ومن عبوديته و تحمل في سبيل ذلك التعذيب والاضطهاد والاذلال  من أميّة بن خلف الذي يطلب منه شتم محمد صلى الله عليه وسلم  والكفر برسالته  فيكرر بصوت واحد وهو ممدد على بطحاء مكة يكوى  بصخورها ، في لهيب الصيف أحد أحد.

و  بكت عيناي حين احتبس صوته بالآذان  بعد وفاة سيدنا محمد عند  وصوله لأشهد أن محمدا رسول الله

و بكت عيناي حين غادر المدينة لأنه لم يعد يستطيع المكوث في مكان ليس به محمد عليه الصلاة والسلام

 و حين احتضر بلال  فنادت امرأته: واحزاناه! فقال: "واطرباه! غدًا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه"

و لا يغيب عن ذهني شجاعة وفداء وكرم  صهيب الرومي  رضوان الله عليه وهو من أوائل من أشهر إسلامه عندما أراد  الهجرة إلى يثرب، اعترضه أناس من أهل مكة، فنثر كنانته، وكان من الرماة المهرة، وخيّرهم بأن يرمي بسهامه أو أن يدلهم على ماله أين خبأها على أن يتركوه، فتركوه على أن يخلي بينهم وبين ماله. فترك ماله كله في سبيل اللحاق بمحمد صلى الله عليه وسلم .

وهو الذي روى الحميدي والطبراني من حديث صهيب من طريق الستة عنه قال: لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة إلا كنت حاضرها، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين العدو قط حتى توفي. 

هاجر صهيب مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكان آخر من هاجر من مكة، وبلغا يثرب في 15 ربيع الأول سنة 1 هـ، والنبي  عليه الصلاة والسلام  لا زال مقيمًا في قباء. فلما بلغ النبي أمر صهيب وما فعله مع أهل مكة قال: «يا أبا يحيى، ربح البيع، ربح البيع، ربح البيع»، وفي ذلك نزلت آية: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ"

 و أدهش حين أذكر  سلمان  فارسي  الباحث عن الايمان الحق و قد سأل صاحبه في عمورية بمن يوصي به  إليه بعد وفاته  فأجابه " أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حَرَّتَيْنِ بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فَافْعَلْ."

فجاب الفيافي والقفار وتعرض للسبي والرق  بحثا عن نبي آخر الزمان الذي يبعث في أرض ذات نخل  ، فأشار عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بمكاتبه مالكه ، فافتدى نفسه بثلاث مائة نخلة غرسها وكانت من أعظم مظاهر الأخوة بين المهاجرين والأنصار الذين  ساهموا معه و ساعدوه بالوفاء بمكاتبته لمالكه ليعتقه من الرق فكان فارسا ومجاهدا و مستشارا حربيا وليست  معركة الخندق بخطتها الحربية الناجحة إلا بما أشار به سلمان الفارسي رضوان الله عليه على المسلمين.

ألا يدعونا ذلك للفخر بهذا الدين العظيم الذي آخى بين الناس جميعا ، دون تمييز لعرق أو للون أو جنس

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى»

ضمت جيوش المسلمين الأولى رجالا من جميع أصقاع الارض مجاهدين وصحابة كرام  ، و برز منهم علماء دين  وفقهاء . وحفظة كتاب ورواة أحاديث،  وقادة فتوحات من شرق الأرض لغربها  ، وبهم انتشر الدين الحنيف في الأمصار .

ألا يدعونا ذلك للخجل من أنفسنا ونحن اليوم نصنف بعضنا البعض ، وننال من بعضنا البعض ، ونسخر ونقلل من شأن بعضنا البعض،  ليستفرد بنا عدونا المتربص بنا والذي لن ينتصر علينا الا ونحن منقسمين مشتتين متفرقين .

دعوة/

لقراءة تراجم وسير الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين .

و نسأل الله تعالى أن يجمع كلمة المسلمين على الحق وأن يرزقهم السداد بالرأي - والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين –

قال تعالى:" ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾‎[سورة النور : 55]

جمال بنت عبد الله السعدي

 

التعليقات

مقال رائع....ما أجمل تاريخنا.. من سماحة للأسلام....وعظمة وقدوة للنبي...وتضحية لرجال حول الرسول....

أضف تعليقك هنا