العارضيات

ليلةُ الختمِ والمبالغاتُ المذمومةٌ


بقلم / أ،د غازي غزاي العارضي
49%

(اجمالى الاصوات 3 )

حين تتوارد التغييرات الجوهرية على التصورات البشرية، مشفوعة بلبوس القداسة المطلقة، تترسخ في الوعي واللاوعي قناعات متوارثة، يستحيل محوها من الذاكرة، تنتهي إلى ممارسات عملية لا تقبل المماحكة وغير قابلة للنقاش لدى السواد الأعظم من الرعاع، خاصة إذا تصدر الملأ وقلدهم العوام على  تطبيقها والعناية بها، ثم تواطىء الناس  جيلاً بعد جيل عليها، وتعظم المصيبة حين تظهر تلك التصورات والمفاهيم في عصر الإنحطاط الحضاري، والتخلف العلمي والفكري، حيث يكون الإهتمام بالقشور والمظاهر والرسوم آخذاً بألباب العوام وطاغياً على مشاعرهم ووجدانهم ، حينها تحل بإجلال في مقام العبادات والعادات المقدسة، ومما يزيد الطين بلة إذا امتزجت العادة بالعبادة ذات اللبوس المقدس، فتظهر منافسة زماناً ومكانا للعبادة الصحيحة ، فحينئذ تحل معادلة الصراع والبقاء للأشهر والأقوى ، وهذا ما يتجلى بوضوح فيما يسمى بليلة الختم مقابل ليلة القدر في شهر رمضان المبارك ، إذ خصها العرف الاجتماعي العام، برسوم واهتمام وتكلف ، تجاوزت المعقول وأوغلت في المحظور، واستطاعت إفراغ ليلة القدر من محتواها، بما أحيط بليلة الختم من إهتمام زائد شكلاً ومضموناً لدى العامة، وإليك أيها القارىء الكريم بعضاً منها:

1-  سوف يستغرب الكثير من الناس هذا الرأي حول دعاء ليلة الختم، رغم خلوه من فضيلة مؤيدة  بآية محكمة أو حديث صحيح واحد، وإنما آثار معدودة عن السلف الصالح بغض النظر من صحتها من عدمها ، لم تصل في تكييفها وتطبيقها مانراه عليه الناس اليوم إعلامياً وتعبدياً.

2-  إفراغ ليلة القدر من محتواها، حيث نلحظ نشاطاً في أول الشهر بصلاة التراويح ، ثم لم يلبث أن يدب الفتور في أوصالها، وتضمر الصفوف وتنكمش عددياً، والبعض ينفلت من الصلاة قبل إتمامها، وعيونهم على ليلة الختم لتعويض ما فات من تفريط، حتى إذا قرب موعدها أقبلوا  بقضهم وقضيضهم لتعويض ما فرط منهم، باهتمام لم يعرف له مثيل، حتى أن القرويين البسطاء يركبون الصعب والذلول للظفر بتلك الليلة في الحرمين الشريفين، حتى إذا قضوا لبانتهم عادوا القهقرى كسلاً وفتوراً، واختفى الإهتمام بليلة القدر وتبخر أملاً في ليلة الختم من العام القادم يتبادلون طُرف تلك الليلة وأحداثها من زحام وبكاء  ويظنون أنهم على شيء.

3-  تخصيص هذه الليلة بمزيد من البكاء والدعاء وتبكير وزحام، يفوق ليلة القدر أضعافاً مضاعفة، وبعض الأئمة يطعمها بصبغة وعظية، يكون صداها من المصلين نحيباً وزعيقاً وصياحاً متكلفاً ، يحق به حكم بطلان صلوات أولئك المتكلفين، إذ أجمع الفقهاء على بطلان الصلاة لمن تكلم متعمداً فيها ، فكيف بمن يصرخ ويصيح بالبكاء المتكلف؟!!!، ومن المعلوم أن التباكي في الصلوات محرم، بخلاف المرور بديار المعذبين، ومن غلبه البكاء فعليه بكتمانه ما أستطاع إلى ذلك سبيلاً، وكان يسمع للصحابة نشيجاً عند غلبة البكاء في الصلاة، وليس صياحاً منكراً، وزعيقاً مزعجاً مجللاً كما هو حال عوام عصرنا ؟!!!

4-  لست ممن يرى بدعية دعاء الختم ،ولكني ادعو للإعتدال فيه، بما لا يصرف عن الإهتمام والدعاء والتبكير والإحتفاء بأعظم ليلة في الوجود والتي نزلت فيها سورة كاملة وعدد من الآيات المحكمة والآحاديث الصحيحة، بحيث لا يخصها الإئمة بما يفوق ليالي رمضان ولاسيما عشر الأواخر بما لا تستحق شرعاً، وإعطاء الإهتمام البالغ لتحري ليلة القدر والاجتهاد فيها وخاصة الوتر منها، وفي هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم مقنع وكفاية لمن رام سبل الهدى والنجاة والإستقامة، وليس من شك أن أئمة المساجد مسؤولون عن إعادة الأمور إلى نصابها، وتعريف الناس بالحقائق الشرعية الصحيحة، بعيداً عن التهويل والمبالغة والتنطع والتقصير.

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا