العارضيات

إزدواجية المعايير وتضخيم الأنا


بقلم / أ.د غازي غزاي العارضي
50%

(اجمالى الاصوات 2 )

من أخطر المعضلات تعقيداً منذ بدء الخليقة حتى الآن، الصراع المتأزم والطويل الأمد بين الأنا والأخر في صور وأشكال وممارسات مختلفة ،ففي مشهد مهيب بين يدي ذي الجلال والعظمة والإكرام ،لم يحفل إبليس بأمر الله عز وجل للسجود لآدم تكريماً واحتفاء به، قائلا كما حكى الله عنه ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ورغم الفوارق الكبيرة بين الطين والنار في الخصائص والثمرات، إلا أنه لجّ في العناد، واستطاع أن يغرز في ذرية آدم هذا الخلق الذميم ، فلأول مرة يهراق الدم الحرام على البسيطة ،حينما أقدم قابيل على قتل أخيه، هابيل ليتحمل بعد ذلك كِفْل كل نفس تُقتل ظلماً إلى يوم القيامة، ويعود ذلك لسوء تقدير قابيل وعدم رضاه بالموازين الشرعية، ويتضح من تلك القصة عدم الحيادية التي تملي على صاحبها أحكاماً جائرة انتهت إلى الكيل بمكيالين، مما عمَّق الظلم والإنقسام بين الأنا والأخر، ولاتزال تعمل عملها في توسيع الشقة والخلاف، مما يصح تنزيله بوصف الأنانية والذاتية المفرطة، وواجه الرسل والإنبياء عليهم الصلاة والسلام هذه المعضلة الكأداء وتلاقت حجج القوم المخالفين جميعاً عبر العصور على تضخيم الأنا، والتي نطق بها صراحة  فرعون ، مما يعد بحق ممثل الأنا الخاطئة الحقيقية ،وكل من جاء بعده ،إنما ينهل من طبعه ويتخلق بخلقه كما حكى الله عنه (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولايكاد يُبين ) وقامت حروب ومآسي دامية بسبب فلسفة الأنا الباغية تجاه الآخر باختلاف أسمائها وشعارتها، وتعتبر الأنا العقدية والإيديولوجية والفكرية والمذهبية الضالة والمنحرفة أُس الأنا السياسية والاقتصادية والثقافية ، واهتمت دعوة الرسل والانبياء عليهم الصلاة والسلام واتباعهم بتفكيك الإشتباك بين الأنا والآخر على أسس عقدية سليمة، ابتداء بالتجرد من ألوان الوثنية والصنمية المختلفة، ومن أخطرها الوثنية النفسية كما قال تعالى (أفرأيت من اتخذ إله هواه ،أفأنت تكون عليه وكيلا) واستطاع الإيمان الخالص النقي أن يفعل العجب العجاب في نفوس المؤمنين المخلصين الذين علوا بشموخ وكرامة على نوازع الأنا الشريرة، وقد حاولت الفلسفة الحديثة بكل تياراتها ومدارسها أن تصنع توازناً بين الأنا والأخر في عالم المصالح والشهوات فعلى سبيل المثال حاولت الوجودية أن تفتح باب الحرية للإنسان المكبل بآصار الكنيسة ،ولكنها فشلت وأوغلت في التشائم والعبّ من الشهوات بلا حدود، وحاولت نظريات النفعية والوضعية أن تخرج الإنسان من استعباد الإقطاع والإستبداد والفلسفة المثالية فلم تفلح، وورطته في البراجماتية التي تمثل شريعة إزدواجية المعايير المنحرفة وروحها الحقيقي ،ولازالت المعضلة قائمة رغم تقدم الإنسان في حضارته وادعاء الرقي في مدنيته ، فكم صدّع الغرب رؤوسنا بالديمقراطية وحقوق الإنسان ؟!!!، بيدأنها تتبخر عند أول اختبار، ولاسيما إذا تعارضت مع المصالح أو الإيديولوجيا، وعالم اليوم أشبه بحياة الغاب إلا أنها منظمة وفق مصالح الأقوياء، فحق الفيتو في مجلس الأمن يمثل قمة التخلف والأنانية ،ويهدر مصالح الدول الأخرى بلا عِوض، ويعرض الأمن والسلام الدوليين للخطر، ومنذ تأسيسه يمور العالم بالفتن والقلاقل ،ويحبط أي قرار مهما كانت عدالته متى تعارض مع مصالح أي دولة من أعضائه الخمس الكبار، ونلحظ ازدواجية المعايير ترجح كفة مصالح الأغنياء في اتفاقية الجات التي تحكم التعرفة الجمركية بين دول الشمال الغنية ودوّل الجنوب الفقيرة، وعلى المنوال نفسه لوائح صندوق النقد والبنك الدوليين ونادي باريس، وتجاوز الأمر إلى توظيف هيئات حقوق الإنسان في التدخل في شؤون الدول الأخرى ،حين تبدي دولة (ما) ممانعة أو استقلالاً في قرارها السياسي والاقتصادي ، بينما تغض الطرف عمداً عن ممارسات دول عنصرية وشوفونية وسادية، وعلى سبيل المثال بلغ  استخدام امريكا (الفيتو) لصالح الدولة العنصرية الصهيونية (اسرائيل) وضد القضية الفلسطينية 32 مرة ضاربة عرض الحائط بقيمها ومبادئها ومؤسساتها المدنية والحقوقية وتراثها الأدبي والأنساني 

وكما قيل:   

وعين الرضا عن كل عيب كليلة  ***  ولكن عين السخط تبدي المساويا

وقد عالج الإسلام الإزدواجية بإحاطة شاملة، إنطلاقاً من إصلاح النية بالتجرد من الأنا والتخلص من حظوظ النفس ، ووضع عقوبات رادعة للريا والكِبْر والسمعة والفخر والخيلاء، وذم التحزب وبناء الأجندة والمحاور، حتى  لا تُسلب  إرادة المسلم ، فينساق وراء القطيع بلاوعي وبصيرة، ونهى عن العصبية والعنصرية بكل أشكالها، وأمر بالنطق بكلمة الحق دون وجل أو تردد ولو تعارضت مع مصالحه كما قال تعالى يأيها الذين كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين الاية وعاب على كل قوم مهما كانت نحلتهم  وزمانهم ومكانهم الخنوع والخضوع لضغوط الأنا وشططها فقال تعالى (وَيْل للمطففين الذين إذا أكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) وأنكر على بني إسرائيل الكيل بمكيالين في أمرهم ونهيهم فقال تعالى(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلاتعقلون) وذلك أنه كلما ضاقت الفجوة بين الأقوال والأفعال ضاق الخناق على الإزدواجية واللعب على الحبلين ، من أجل ذلك ورد الزجر الإلهي للمؤمنين بضرورة الإبتعاد عن مخالفة القول الفعل كما قال تعالى (يأيها الذين آمنوا لما تقولون مالا تفعلون )  وحرَّم الاسلام بحزم استخدام ازدواجية المعايير في التعامل مع الخصوم والأعداء المتربصين كما قال تعالى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على الاتعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى ) وألزم بمنهجية العدل في القول بما لا لبس فيه ولا إلتواء بقوله تعالى ( وإذا قلتم فاعدلوا ) لذلك من المستغرب حقاً، أن يقع المسلم في ازدواجية المعايير الظالمة والمنحرفة، وما نشاهده في المحاكم من تراكم القضايا وتعقيداتها وطول الترافع فيها، وافتعال الأزمات الفكرية والدعوية، والعبث في المؤلفات والبحوث العلمية وتغيير الحقائق وتزييف التاريخ الخ ،كل ذلك حصاد تفاقم تضخم الأنا الشريرة وعبثها بالعقول والأخلاق والأقلام، مما يتنافى حقاً مع العقيدة الصحيحة، والخلق القويم، والعبادة الصحيحة، ولكن الجهل بشمولية الإسلام والإهتمام بالمظهر على حساب المخبر، والأداء الآلي والشكلي للعبادة وإفراغها من روحها، أضعف تأثيرها في تحسين سلوك المسلم المعاصر(الامن رحم الله)، فرأينا مظاهر إزدواجية المعايير تتجلى بوضوح في حياة المسلمين ولاسيما النخب الفكرية والثقافية والسياسية والدعوية في عالمنا العربي والإسلامي بصورة مزرية جداً، فكيف بحال الرعاع والعوام؟!!! ولا يمكن لفت انتباه الآخر وجلب إعجابه بالإسلام، إلا بتغيير الصورة النمطية الذهنية لهذه النخب التي شوهت الإسلام واقعاً مشاهداً لامرية فيه، مما يستلزم نبذ إزدواجية المعايير أو الجمع بين المتناقضات، وتجفيف منابع النفاق وقلع جذوره في جميع تعاملاتنا وتقلب أحوالنا وتنوع ممارساتنا، عندها نصحو على حقيقة بُعدنا عن لُب وروح ديننا العظيم.

ولعلها تكون يقظة ضمير لإصلاح أحوال العرب والمسلمين المتدهورة في العالم المنظور.

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا