العارضيات

في منزلي عاطل عن العمل


بقلم / أ،د غازي غزاي العارضي
1%

(اجمالى الاصوات 1 )

كلمة شديدة الوقع على النفوس والمشاعر، وصورة كئيبة تلقي بظلالها على الأعين حزناً وشفقة، حين يرى رب المنزل أبناً وبنتاً أو قريباً، وقد طواهم الإحباط، وإحاطة بهم الكآبة، وغشيهم اليأس، قابعين في قعر منازلهم يتكففون العطاء في أبسط حاجاتهم، ولا يستطيعون دفع ذُل المسألة، ولاسيما حين يسمعون كلمة نابية من شقيق، أو تضجراً من أب.

الله يغضب إن تركت سؤاله *** وبني آدم حين يُسأل يغضب 

ممن أوقع بعضهم فريسة للهواجس المدمرة ليل نهار، ليس أقلها الفراغ القاتل، والعكوف على المواقع المعادية للوطن، والتورط في خِضّم شَرَك الأكاذيب والإشاعات السياسية ضد ولاة الأمر، أو الجنوح إلى الفكر الإرهابي  ومضاهاته، أو الإنضمام لعصابات المخدرات، وتلك مخاوف حقيقية، وليست من نسج الخيال، وعلى الجهات المعنية أن تأخذها بعين الإعتبار، وهذا ليس تبريراً للفكر المنحرف والتصرفات الشائنة بالمطلق مهما كانت الظروف، بقدر ما هو أخذ العبرة والعظة من الواقع والتاريخ.   

 وكيف لا يقع المحذور من بعضهم ؟!! وشياطين الإنس والجن تؤزهم أزاً، مستغلة جوانب الضعف البشري الذي ينهزم أمام الإغراءات المادية تحت وطأة ضغط الفقر والحاجة، كما دلت البحوث الميدانية أن البطالة مقرونة بالجريمة بكل مظاهرها الجنائية والأمنية والسياسية، فشؤم البطالة لا حدود له، وخاصة ممن قضى شرخ شبابه بآلامه وآماله في سبيل الوصول إلى حلم الحياة الطبيعي، والتطلع إلى قطف ثمرة الجهد وحصاد العمر، ولاسيما جحافل الشباب والشابات الذين ضمهم برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (عليه سحائب الرحمة والمغفرة) وقد أغدقت عليهم الدولة الآف الملايين من الدولارات، وعادوا يحملون أرقى الشهادات علماً وخبرة وكفاءة، ثم يفاجئون، بسد أبواب الجامعات والمؤسسات في وجوههم من القطاعين الخاص والعام بحجة عدم توفر الوظائف، بينما تغص بالوافدين الذين يقلون خبرة وعلماً عنهم، ضاربة عرض الحائط بالتوجيهات الحكومية الصارمة بإحلال المواطن محل المقيم، والبعض الآخر منهم يترددون على أبواب الشركات والوزارات ومواقعهم الالكترونية، ويشدون الرحال اليها، لإجراء المقابلات والإختبارات ثم يقابلون بالإعتذار حيناً، والتجاهل أحياناً أخرى.

 إن من الإنصاف حقاً الإعتراف  بالحقائق الموضوعية والأوضاع الإقتصادية الصعبة على الأرض التي كانت تقف ولاتزال وراء البطالة الحقيقية في كل دول العالم، ولكن العتب والمُلام والتثريب يتجه إلى البطالة المقنعة والمتكلفة، والتي طرفاها العامل ورب العمل، فهناك تحايل تمارسه بعض الجهات في القطاع الخاص، من خلال الإدعاء بتوظيف المواطنين ورفع تقارير بأسمائهم إلى وزارة العمل للحصول على الدعم الحكومي من جهة، والفرح بما لم يُؤْتُوا من جهة أخرى، -بإعطاء الشاب الموظف المزعوم الفتات ليقعد في بيته- بينما تأخذ هي من الدولة ضعفي ما تعطيه، فتمارس التدليس المنظم على الطرفين، واللعب على الحبلين.

 وتضم دهاليز الجامعات في المناطق الرئيسة وفروعها في المحافظات نسبة عالية من الوافدين في سائر الدرجات العلمية بالإقسام رجالاً ونساءً، حرصاً من بعض الأقسام على تحقيق شروط أخذ بند الندرة لأعضاء القسم السعوديين، الذي لا يُصرف لهم إلا بشرط توفر 50% من أعضاء القسم من الوافدين، واُخرى تنتحل أعذاراً أوهى من بيت العنكبوت ،لذلك تتأبى بعض الجامعات من توظيف المواطنين والمواطنات اغتباطاً بلقمة الأنانية الضيقة، وحظوظ الذاتية المفرطة، وإزاء هذه الأزمة غير المنطقية والمصطنعة ،لا مناص

من اتخاذ الإجراءات العاجلة:

١- أن يكون القبول للمعيدين والمحاضرين والأساتذة من خارج القسم في الجامعات تحت إشراف الوزارة مباشرة، قطعاً لدابر المحسوبية، وتمكين الوزارة من معرفة عدد الوافدين ومدى قدرة الجامعات على استيعاب أبناء وبنات الوطن .

٢- القيام بحملات تفتيشية مفاجئة في الجامعات، لمعرفة الرقم الحقيقي لإعداد الوافدين، وتخصيص رقم مجاني لتلقي شكوى المدفوعين بالأبواب لأخذ مكانهم اللائق في خدمة وطنهم .

٣- عدم الإكتفاء بتقرير الشركات والمصانع المرفوعة لوزارة العمل ، والقيام بحملات تفتيشية وإجراء مقابلات سرية مع الموظفين لا يطلع عليها ملاك الشركات والمصانع  بحيث يكون الموظف في أمن من الفصل والعقاب، لمعرفة السبب الحقيقي في عدم استمرار بعض الشباب السعودي في القطاع الخاص، فثمة دعاية ظالمة ضدهم يكررها بعض رجال الأعمال  متهمين إياهم - ظلماً وعدواناً- ، بأنهم ليسوا أهلاً لما يُسند إليهم من عمل وأنهم لا يتسمون بالجدية الخ، بينما الحقيقة أنهم يعانون من التعسف والظلم والإضطهاد والتضييق المادي والمعنوي، من أولئك الديناصورات القابعة وراء مكاتبهم الوثيرة.

٤- إنشاء مشروع الشاب المنتج على غرار الأسرة المنتجة، يتم فيه تصميم مشروع حرفي ومهني ، يستوعب جميع الراغبين في العمل المهني الشريف من أصحاب المستويات المتدنية أو ذوي التعليم المنخفض الذين لا تنطبق عليهم شروط القبول في الجامعات  والبرامج التعليمية العليا، بعد دراسة حالة أحدهم جيداً من قبل خبراء متخصص في علم النفس  والاجتماع والإدارة، حيث يُؤمَّن للشاب المتخرج بعثة داخلية أو خارجية تنتهي بالتوظيف، وبثهم بعد التخرج في أوصال مؤسسات العام والخاص تحت إشراف حكومي حازم  .

٥- من المحال فتح سوق العمل التجاري بنجاح أمام المواطنين الشرفاء، دون التخلص من الخونة ومعاقبتهم الذي يبيعون أسمائهم بثمن بخس، حيث يجد المواطن  عنتاً بالغاً وصعوبات جمة، من عصابات التكتلات التجارية الوافدة، حيث يخرجون كل صاحب مشروع وطني من السوق  بخفي حنين خاسئاً وهو حسير، ضارباً كفاً بأخرى نادباً حظه الأعثر، بسبب الأسماء المستعارة التي لم تراع أنظمة الدولة واحترامها.

 تلك إجراءات ضرورية لفتح كوة أمل عريض أمام الشباب العاطل عن العمل.

إن تداعيات البطالة وإفرازاتها لم تعد قضية فردية تقض مضجع الشاب العاطل وأسرته، بل تتجاوز  حدود تلك الدائرة الضيقة، إلى آفاق الوطن الواسع برمته، ممن يؤرق الجميع وطأة البطالة ومخرجاتها وإفرازاتها المختلفة، فلا مندوحة من تعاون القطاعين  العام والخاص لحل أزمة البطالة، مقرونة بتغيير الذهنية الرتيبة حول ثقافة العمل المهني، وإشاعة فكر العمل المفتوح على كل المهن الشريفة.

واحسب أن إقتصاد بلادنا قوي ومتين وقادر على استيعاب جميع العاطلين، ويمكن للمدن الصناعية المزمع تشييدها ، ورؤية ٢٠-٣٠ أن تساهم مجتمعة في القضاء على البطالة، واقترح على مجلس الإقتصاد الأعلى تعيين لجنة وطنية عليا ذات صلاحيات رقابية واسعة قادرة على إحصاء دقيق للعاطلين، وبناء بنك معلومات وطني بجدولة أسمائهم وتخصصاتهم وعناوينهم والوظائف الشاغرة المناسبة لهم، والأخرى التي يشغلها الوافدون، وتأميمها بالمواطنين المؤهلين، عبر مسح ميداني مستمر، يتلافى بحزم رسوم البيروقراطية القاتلة.

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا