العارضيات

التعليم والحلم المنشود


بقلم / أ. د. غازي بن غزاي العارضي
1%

(اجمالى الاصوات 1 )

لا أستطيع أن أكتم ما يجوس بخاطري، من التطلع إلى أن تكون بلادي من الدول المتقدمة، هذه الأمنية هي : الحلم الذي يرا,د المشاعر ويأخذ بتلابيب الأفكار بعيداً عن الخيال المُجَنَّح والطروحات المثالية، واحسب أن التعليم الجيد هو مفتاح النهضة وبلسم شفاء التخلف، ونحن ندلف إلى أبواب العام الدراسي الجديد ، فإن من المناسب استرجاع التجارب السابقة، ومناقشة المخرجات الحالية، والتحدث عن السلبيات بعيداً عن روح النقد الهدّام، وفق رؤية شاملة.

لقد بدأ الملك المؤسس (عبدالعزيز آل سعود عليه شآبيب المغفرة والرحمة) من الصفر لبناء دولة حديثة بمثابة قارة مترامية الأطراف، بعد جهاد مبارك بلغ عقوداً، وكانت مهمته في غاية الِثِقل والصعوبة، لبلد خرج للتو من ويلات الفرقة والشنآن ،وقد مزقته الحروب الأهلية ، والقى الخوف فيه بثفالة، وطوى الجوع خماص بُطُون الأغلبية من سكانه، وأوهت الأوبئة والأمراض الفتاكة أجساد مواطنيه، وما نراه اليوم من بعث حضاري للجزيرة العربية، التي فقدت ريادتها وقيادتها منذ انتقال عاصمة الخلافة الإسلامية من المدينة، وأصبحت على هامش التاريخ ، أشبه ما يكون بالمعجزة الخارقة، ولاتزال الدولة السعودية(حماها الله) في عهود ملوكها حريصة على اقتباس التجارب التعليمية الناجحة من كل أنحاء العالم، لكن  ذلك لا يعفينا من طلب الكمال الممكن، ،فقد بدأ التعليم المنظم في بلادنا عام ١٣٤٤ه، إضافة إلى ٩ خطط خمسية في بحر ٤٥ عاماً، انفقت عليها الدولة عليها بسخاء منقطع النظير ، ولاتزال ميزانية التعليم لها نصيب الأسد من موارد الدولة حيث يحرص ولاة الأمر (وفقهم الله) على دعم التعليم بدون حدود ، حتى غطى التعليم طول البلاد وعرضها، وتقدم بصورة مذهلة، وتجاوز عدد الجامعات ٣٠ جامعة، وانضمت المملكة بكفاءة الى نادي العشرين للدول الكبار الأغنى تجارياً، ببدأنة في ظل البدائل المتجددة للطاقة، تتبدى  ضرورة عدم الاعتماد على البترول مصدراً أساسياً للدخل، فليس هناك من سبيل سوى البحث عن بدائل أكثر آمناً بالاعتماد - بعد الله- على التعليم الفعّال للرقي بالوطن تجارياً وصناعياً وسياحياً وخدمياً، وهذا يستلزم مراجعة شاملة لسياسة التعليم برمتها   وخاصة أركانها الأساسية وهي : مناهجها ووسائلها، وأهدافها ورسالتها، مرتبطاً بمراحل واستراتيجيات حاسمة لا تقبل أنصاف الحلول، تحقق إخراجنا من بوتقة الدول النامية إلى فضاء الدول المتقدمة الفسيح. وذلك خيار لا محيد عنه بأي وجه من الوجوه. 
ومن اهم تلك الخطوات :
١- التركيز على المنهج التعليمي الكيفي وليس الكمي ، وفي نظري أن تركز المرحلة الابتدائية على أدوات التعلم اللغوي والنحوي والإملائي وتجويد القرآن الكريم وفقه العقيدة والعبادات.
٢- أن يبدأ التخصص العلمي من المرحلة المتوسطة، حيث تنطلق المسارات العلمية بمبادئ التخصص الأولي من هذه المرحلة سواء كانت أدبية أو علمية الخ بدلاً ً من المراحل. المتأخرة التي يذبل. فيها روح الشباب ونشاطه . 
٣- أن تكون المرحلة الثانوية بمثابة المرحلة الجامعية التخصصية ، بحيث يتخرج فيها الطالب مؤهلاً لسوق العمل بكل. كفاءة واقتدار .
٤- ان تكون المرحلة الجامعية متخصصة في إجراء البحوث وكتابتها ومناقشتها، والنزول الى الميدان العملي التدريبي بصبغة علمية تجمع بين النظرية والتطبيق لتخريج العلماء المتخصصين الأكفاء.
٥- ان تقتصر مرحلة الماجستير والدكتوراه على عباقرة خريجي الجامعات بشروط علمية مشددة، هذا المقترح مأخوذ من تاريخ الحضارة الإسلامية، حيث، نجح التعليم آنذاك في تخريج قوافل العلماء، مبكراً ، حيث بلغ معدل  أعمار العلماء في العشرينات ، وعلى سبيل المثال قعد الإمام ابن تيمية للفتوى والتعليم، في جامع دمشق وقد ناهز العشرين من عمره، وَقّاد محمد بن القاسم الثقفي جيشاً عرمرماً لفتح السند وهو في الثامنة عشر من عمره بما لا تسطيعه أرقى الكليات العسكرية للأركان في العالم من أمثال كلية سان هيرست البريطانية التي تمثل قبلة النخب للتعليم العسكري المتميز، بينما يفشل التعليم المعاصر في تخريج العلماء في هذا الوقت المبكر، لاهتمامه بالكم على حساب الكيف وغلبة التطلع المادي على مشاعر المتعلمين حيث غاية همة بعضهم الحصول على الوظيفة فحسب، ثم لا شأن له بالقراءة والبحث والمتابعة لكل جديد في تخصصه ولاسيما من جانب بعض المعلمين.
وكان للعلماء المتقدمين في التاريخ الإسلامي  رأيان متقاربان في المنهج الدراسي ، فمنهم من يرى أن تكون البداءة بعلم واحد فقط ، ولا ينتقل الطالب إلى علم آخر حتى يحذق ما قبله، ومنهم من أرجع ذلك إلى قدرة وطاقة الطالب على التحصيل، فليس هناك قاعدة مطردة.  ومن المناسب لنا أن نجمع بين الاتجاهين عبر التركيز على التخصص المبكر.
وليس من شك أن الاطلاع على تجارب الدول المتميزة في جودة التعليم ونقلها، وليس مجرد الاطلاع عليها، أمر بالغ الأهمية للمنافسة في المنازلة الحضارية.
وثمة وجه حضاري آخر يعد الروح الحقيقي للنهضة المادية بكل صورها، وهو ما تفتقده الحضارة المعاصرة، وتحاول تطبيقه بقوة القانون والتربية الوطنية ، وهيهات هيهات!!!!! ،وهو: النقاء السلوكي والصفاء الفكري، الذي تغذيه وتنميه في الإسلام العقيدة والعبادة الصحيحة الراجعة. والملاحظ أن بعض الشباب العربي المسلم يعيش بين طرفي نقيض، إما إفراط أو تفريط، فترى البعض يجنح إلى الفكر المتطرف المتشدد، الذي يسوق الى التكفير وتطبيقاته الجنونية، وإما بالتلوث بالتردي الأخلاقي وضياع بوصلة هويته الثقافية والوطنية، فيتبع كل تقليعة ويسير في ركاب كل ناعق ،غير مميز بين الغث والسمين، ويتحمل التعليم جزءاً من ذلك الإخفاق السلوكي والانحراف الفكري ،ولا يمكن أن نحمي شبابنا من عوادي الانحراف بألوانه وأشكاله، مالم يقوم التعليم الوطني بصياغة استراتيجية تعليمية صارمة تحافظ على الشخصية الإسلامية الوطنية الواعية ، في برامج علمية مؤثرة وفعَّالة. وبدينك المفهومين الأصلين للنهضة الحضارية ، يمكن أن نحجز مكانة بلادنا للإقلاع الحضاري بين الدول المتقدمة.

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا